ماذا نقول لأطفالنا وكيف نساعدهم

ترجمة: د. دينا محمود الليثى

من كتاب: الأنفصال، الفقد و الحزن

مترجم عن اللغة الألمانية : كلوديا جيويت جارات عن ولوفجانج مولير

المقدمة:

نحن جميعا سواء كنا أباء أو أقارب أو مربيين أو سيكولوجيين نمر بمواقف نسعى من خلالها لتخليص طفل يعانى من الحزن كنتيجة لأنفصال والديه أو لفقد شخص عزيز له, أو الأضطرار لوجود والد بديل له, أو عند مرض أحد الأخوة مرض شديد.

تقريبا ربع الأطفال تحت 18 سنة يعانون من خبرة الطلاق , وتقريبا يعانى جميع الأطفال من فقد شخص محبب له سواء صديق أو قريب, أو فقد حيوان أليف محبب له, أو فقد أحد زملاء الدراسة و أصدقاء اللعب عند الأنتقال لمدرسة جديدة.

لذا فنحن جميعا نحتاج لمهارات تساعدنا على فهم الطفل وتقبله فى أصعب حالاته الناتجة عن الأحساس بألم الفقد ودائما يطلب منا كسيكولوجيين ارشاد الأسرة عن كيفية رد الفعل الصحيح لها تجاه حزن الطفل لأن ينقصهم الفهم العميق لما يدور داخل الطفل الحزين.

تتنوع استجابات الأطفال تجاه الحزن الناتج عن معاناة الفقد, فقد تكون خوف من فقدان الطفل لحياته, خوف من أنفصال أحد أفراد الأسرة عنه, غضب,الأحساس بالذنب, الخجل , الأكتئاب, الإحباط, فقد القدرة على التحكم فى الذات, انخفاض فى الطاقة, انخفاض فى تقدير الذات, تشاؤم, الأحساس بانخفاض الفاعلية الذاتية.

وهى جميعا استجابات طبيعية  للحزن وغالبا ما تعاود الظهور فى ما بعد.

غالبا ما تقتصر مساعدتنا للطفل على الموقف الحالى  الحزين و لا نهتم بالمراحل التالية, فيعالج الطفل بمفرده حزنه المكبوت.

الأطفال غالبا لا يفصحون عن أحزانهم لأنهم يخافون أن لا يفهموا جيدا, أو لتوقعهم  أن الحوار  سوف يزيد من الألم بداخلهم.

يوضح هذا الكتاب السلوكيات المتوقعة من الطفل خلال تجربة الفقد ويحدد متى و كيف تظهر تلك السلوكيات

ويصف توابعها , كما يعطى اقتراحات و حلول عملية للتعامل السليم مع تلك المواقف.

نحن نقوم بمهمة ذات مغزى عندما نحاول مساعدة الأطفال الحزناء, ونجاحنا يتوقف على مدى استعدادنا و المساندة المخلصة للطفل.

الإرشادات المقدمو في ذلك الكتاب تجعل تلك المهمة واضحة وأقرب للتنفيذ وتساعد الطفل على فتح طريق لحياة صحي وثرية.

كيف نخبر الطفل:

كثيرا ما يواجه الطفل مواقف تثير حزنه بسبب الأنفصال أو الفقد, ويواجه الكبار مهمة ابلاغ الطفل بالخبر فيفكرون تلقائيا كيف يجعلون ذلك الموقف محتمل للطفل , وكيف يساعدوه فى التغلب على الصدمة, ومن الشخص الأنسب لأبلاغ الطفل, وكيف يدرك الطفل تلك الحقيقة , وما هو الوقت والطريقة المثلى لأخباره.

وغالبا ما تثير تلك المواقف ذكريات لمواقف مشابهة توجد فى ذاكرتنا ونستحضر معها المشاعر المرتبطة بها.

فنحاول تجاهل الموضوع و عدم فتحه مع الطفل أو نحاول التهوين منه و كأنه حدث عادى.

فمثلا نقول له" عندما ننفصل هانكون سعداء, سيكون لدى وقت أكثر لك, وسوف نجتمع فى نهاية الأسبوع معا" أو نقول" جدتك كانت مريضة جدا وعانت الكثير, وفاتها لها و لنا راحة حقيقية"

هكذا يستخدم الراشدون المنطق العقلى فى تبليغ الرسالة, فهم يبحثون عن أسباب لتخفيف الألم على الطفل رغبا فى حمايته, ويقعون فى خطأ التعامل مع الموقف وكأنه عادى وغير مهدد, ونتصرف وكأن شيئا لم يحدث أو أنه حدث لا يستحق الأهتمام ونأمل من ذلك تقليل التأثير الأنفعالى على الطفل. ولكن غالبا مايترك الطفل بعدها مرتبك الفهم مما يصيبه بإعاقات كثيرة وغالبا لا يتحدث عن مشاعره لظنه أن ذلك خطء أو لأن الحديث لن يجدى له شيئا.

غالبا ما نظن أن الطفل مازال صغيرا وشديد الحساسية وبالتالى لا يستطيع مواجهة الموقف الدرامى.

إلا أن تلك المعتقدات والأفكار التى يشترك فيها الكثيرون تؤدى لسلب الطفل حقه فى التعبير عن حزنه , وفى أن يرى بوضوح مشاعره الخاصة.

لذا فأن فهم خبرة الطفل فى التعلق و الأنفصال  ذو أهمية كبيرة , ويجب التعامل معه بطريقة منظمة حتى يستطيع التغلب عليها من خلال:

- تفهم وتقبل علاقة الطفل الوطيدة بمن فقده.

- أن يصل للطفل سريعا المعلومات الحقيقية عن الحدث, وإعطاؤه الفرصة لأن يسأل كل الأسئلة الموجودة لديه , وعلينا أن نجاوب على قدر المستطاع بكل صدق, وأن نوضح له أننا فى بعض الحالات لا نعرف الإجابة.

- نسمح للطفل بالأنفتاح و الحوار أثناء معالجته لحزنه خصوصا مع أفراد الأسرة.

- أن يشعر الطفل أن هناك شخص كبير يثق فيه, ويستطيع من خلاله أن يحصل على المساندة والطمأنة فى المستقبل.

من الذى يبلغ الطفل الخبر:

بما أن جميع الأطفال تقريبا لديهم خوف أساسى وقديم من فقد الأشخاص القائمين برعايتهم, وأنهم سوف يتركون بدون حماية أو مساعدة وبالتالى يتعرضون للوفاة, لذا فمن الأفضل أن من يبلغ الطفل الخبر المؤلم أقرب الأشخاص له سواء كان الأب أو الأم أو شخص يرعاه منذ فترة طويلة وذو ثقة لديه.

وبذلك ندخل للطفل من مدخل أن هناك قصة أخرى غير منقطعة من الأعتماد و الثقة و الأنتماء و الأرتباط, وهذا يكون ذو مغزى هام  وعميق له ويساعده فى التغلب على أى أزمة يليها تغيير كبير فى حياته.

هذا المدخل يؤمن الطفل ويجعله يشعر إنه ليس بمفرده, وأن هناك أشخاص أخروون يعتمد عليهم يقفون بجواره ويمدوه بالحماية و الرعاية.

عندما يترك أحد أفراد الأسرة المنزل بسبب الأنفصال أو السفر أو لمرض شديد , فمن الأفضل أن يخبر الوالدين الطفل معا , حتى يعطوه الفرصة لملاحظة رد فعل كلا منهما, ويعلم أنهم مشتركون معا فى هذا القرار ,وأنهم  بالرغم من ذلك أسرة واحدة.

فى حالة لو كان الإنفصال نتيجة لمشاكل و صراعات زوجية, فمن المهم جدا للوالدين أن يقللوا جدا من احتمالية أن يجر بالطفل داخل هذا الصراع , وأنه سوف يقوم بإتخاذ قرار بالأنتماء لأحد االحزبين.

و يتأكد الطفل من أن ذلك لن يحدث من خلال حديث الوالدين معا معه, ويجب بعدها مباشرا أن يقوم كل طرف منهما بعمل حوار بمفرده مع الطفل,  من خلاله يؤكدوا للطفل  بأسلوب مشابه أن أحاسيسهم الإيجابية وحبهم له لا علاقة لها بالأنفصال , وأن الطفل غير مسئول عن ما حدث فى الأسرة من تغيير.

وسوف نواصل باقي ترجمة الكتاب في العدد القادم

رقم حساب الجمعية داخل و خارج مصر 65993